الفتال النيسابوري
9
روضة الواعظين
سائر النجوم ليلة البدر ، وان العلماء ورثة الأنبياء وان الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما ولكن ورثوا العلم ، فمن اخذ منه اخذ بحظ وافر . قال أمير المؤمنين " عليه السلام " : تعلم العلم فان تعلمه حسنة ، ومدارسته تسبيح والبحث عنه جهاد ، وتعليمه من لا يعلمه صدقة ، وهو عند الله لأهله قربة ، لأنه معالم الحلال والحرام وسالك بطالبه سبيل الجنة ، فهو أنيس في الوحشة وصاحب في الوحدة وسلاح على الأعداء ، وزين الاخلاء ، يرفع الله به أقواما يجعلهم في الخير أئمة يقتدى بهم يرمق اعمالهم ويقتبس آثارهم ، وترغب الملائكة في خلتهم يمسحونهم بأجنحتهم في صلواتهم لان العلم حياة القلوب ، ونور الابصار من العمى ، وقوة الأبدان من الضعف ، ينزل الله حامله منازل الابدال ، ويمنحه مجالسة الأخيار في الدنيا والآخرة بالعلم يطاع الله ويعبد وبالعلم يعرف الله ويوحد وبالعلم توصل الأرحام وبه يعرف الحلال والحرام ، والعلم امام العقل والعقل تابعه يلهمه الله السعداء ويحرمه الأشقياء . وقال أيضا " عليه السلام " : طلبة هذا العلم على ثلاثة أصناف فاعرفوهم بصفاتهم وأعيانهم صنف منهم يتعلمون للمراء والجهل وصنف منهم يتعلمون للاستطالة والختل . وصنف منهم يتعلمون للفقه والعقل فاما صاحب المراء والجهل تراه مؤذيا مماريا للرجال في ندية المقال قد تسربل بالتخشع وتخلى من التورع ، فدق الله من هذا حيزومه وقطع منه خيشومه ، واما صاحب الاستطالة والختل ، فإنه يستطيل على أشباهه واشكاله ويتواضع للأغنياء من دونهم ، فهو لحلوائهم هاضم ولدينه حاطم ، فأعمى الله من هذا بصره وقطع من آثار العلماء اثره ، واما صاحب الفقه والعقل تراه ذا كآبة وحزن قد قام الليل في خندسه وقد انحنى في برنسه ويعمل ويخشى خائفا وجلا من كل أحد إلا من كل ثقة من إخوانه ، فشد الله من هذا أركانه ، وأعطاه يوم القيامة أمانه . قال أبو عبد الله " عليه السلام " : إذا كان يوم القيامة جمع الله عز وجل الخلق في صعيد واحد ووضعت الموازين ، فتوزن دماء الشهداء مع مداد العلماء ، فيرجح مداد العلماء على دماء الشهداء . قال الباقر " عليه السلام " : قراء القرآن ثلاثة : رجل قرأ القرآن فاتخذه بضاعة ، واستجر به الملوك ، واستطال به على الناس ، ورجل قرأ القرآن ، فحفظ حروفه وضيع حدوده ورجل قرأ القرآن ، فوضع دواء القرآن على داء قلبه وأسهر به ليله واظمأ به نهاره